فخر الدين الرازي
49
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
السؤال ، وإن لم يطابق كان كذبا ، ولزم فساد الحد ، وثالثها : إنا إذا قلنا : كان اللّه موجودا في الأزل ، فهذا يقتضي كون اللّه زمانيا ، وهو محال ، ورابعها أنه ينتقض بالأفعال الناقصة ، فإن كان الناقصة إما أن تدل على وقوع حدث في زمان أو لا تدل : فإن دلت كان تاما لا ناقصا ، لأنه متى دل اللفظ على حصول حدث في زمان معين كان هذا كلاما تاما لا ناقصا ، وإن لم يدل وجب أن لا يكون فعلا ، وخامسها أنه يبطل بأسماء الأفعال ، فإنها تدل على ألفاظ دالة على الزمان المعين ، والدال على الدال على الشيء دال على ذلك الشيء فهذه الأسماء دالة على الزمان المعين ، وسادسها أن اسم الفاعل يتناول إما الحال وإما الاستقبال ولا يتناول الماضي البتة ، فهو دال على الزمان المعين ، والجواب أما السؤالات الأربعة المذكورة على قولنا : « الفعل يدل على ثبوت المصدر لشيء » والثلاثة المذكورة على قولنا / « الفعل يدل على الزمان » فجوابها أن اللغوي يكفي في علمه تصور المفهوم ، سواء كان حقا أو باطلا ، وأما قوله : « يشكل هذا الحد بالأفعال الناقصة » قلنا : الذي أقول به وأذهب إليه أن لفظة كان تامة مطلقا ، إلا أن الاسم الذي يسند إليه لفظ كان قد يكون ماهية مفردة مستقلة بنفسها مثل قولنا : كان الشيء ، بمعنى حدث وحصل ، وقد تكون تلك الماهية عبارة عن موصوفية شيء لشيء آخر مثل قولنا : كان زيد منطلقا ، فإن معناه حدوث موصوفية زيد بالانطلاق فلفظ كان هاهنا معناه أيضا الحدوث والوقوع ، إلا أن هذه الماهية لما كانت من باب النسب ، والنسبة يمتنع ذكرها إلا بعد ذكر المنتسبين ، لا جرم وجب ذكرهما هاهنا ، فكما أن قولنا : كان زيد ، معناه أنه حصل ووجد ، فكذا قولنا : كان زيد منطلقا ، معناه أنه حصلت موصوفية زيد بالانطلاق ، وهذا بحث عميق عجيب دقيق غفل الأولون عنه ، وقوله : « خامسا : يبطل ما ذكرتم بأسماء الأفعال » قلنا المعتبر في كون اللفظ فعلا دلالته على الزمان ابتداء لا بواسطة ، وقوله : « سادسا : اسم الفاعل مختص بالحال والاستقبال » قلنا : لا نسلم ، بدليل أنهم قالوا : إذا كان بمعنى الماضي لم يعمل عمل الفعل ، وإذا كان بمعنى الحال فإنه يعمل عمل الفعل . المسألة الثامنة : الكلمة إما أن يكون معناها مستقلا بالمعلومية ، أو لا يكون ، وهذا الأخير هو الحرف ، فامتياز الحرف عن الاسم والفعل بقيد عدمي ، ثم نقول : والمستقل بالمعلومية إما أن يدل على الزمان المعين لذلك المسمى ، أو لا يدل ، والذي لا يدل هو الاسم ، فامتاز الاسم عن الفعل بقيد عدمي ، وأما الفعل فإن ماهيته متركبة من القيود الوجودية . هل يدل الفعل على الفاعل المبهم المسألة التاسعة [ هل يدل الفعل على الفاعل المبهم ] : إذا قلنا : ضرب ، فهو يدل على صدور الضرب عن شيء ما إلا أن ذلك الشيء غير مذكور على التعيين ، بحسب هذا اللفظ ، فإن قالوا : هذا محال ، ويدل عليه وجهان : الأول أنه لو كان كذلك لكانت صيغة الفعل وحدها محتملة للتصديق والتكذيب ، الثاني أنها لو دلت على استناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر وجب أن يمتنع إسناده إلى شيء معين ، وإلا لزم التناقض ، ولو دلت على استناد الضرب إلى شيء معين فهو باطل ، لأنا نعلم بالضرورة أن مجرد قولنا ضرب ما وضع لاستناد الضرب إلى زيد بعينه أو عمرو بعينه ، والجواب عن هذين السؤالين بجواب واحد ، وهو أن ضرب صيغة غير موضوعة لإسناد الضرب إلى شيء مبهم في نفس الأمر ، بل وضعت لإسناده إلى شيء معين يذكره ذلك القائل فقبل أن يذكره القائل لا يكون الكلام تاما ولا محتملا للتصديق والتكذيب ، وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل .